أكد رئيس الوزراء علي الزيدي، اليوم الثلاثاء، أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من متابعة المخالفات بعد وقوعها إلى منعها قبل حدوثها، داعيًا ديوان الرقابة المالية إلى لعب دور "الدرع الحامي" للمال العام عبر تفعيل التدقيق المسبق للعقود الحكومية، محذرًا من أن تضخم الكلف وضعف الرقابة كانا من أبرز أبواب الفساد التي أهدرت أموال الدولة خلال السنوات الماضية.
وشدد الزيدي، في كلمة خلال زيارته إلى ديوان الرقابة المالية، تابعتها شبكة "الساعة"، على "ضرورة اعتماد التدقيق السابق والمسبق، فالعلاج بعد وقوع المرض مكلف جدًا، والأجدر بنا أن نعالج الحالة قبل حدوثها. إن التدقيق المسبق لا يعني مطلقًا الشك في مؤسساتنا، بل نعتبره حصانة وجدار حماية لها. نحن نأتي إليكم قبل توقيع العقود ونقول لكم، كأهل اختصاص: حصّنوا قراركم، نريدكم أن تكونوا عين الدولة التي ترصد الثغرة قبل أن تتحول إلى دعوى قضائية أو تحكيمية تكلف الدولة أموالًا طائلة إذا كان الخلل من جانبنا".
وبيّن الزيدي أن "الهدف هو الوصول إلى عقود متكاملة لا يمكن نقضها، وتضمن سعرًا عادلًا ومواصفات دقيقة لا تقبل التأويل. إن المشكلة الأساسية التي لاحظناها في الفترة الماضية هي المغالاة في الكلف، والتي تشكل الأساس الأول للفساد"، مضيفًا: "نحن نريد للشركات والمتعاقدين معنا أن يربحوا، فالخاسر لن يكمل المشروع، والربح حق مشروع لضمان إنجاز العمل، ولكن وفق حدود المعقول. فنسب الأرباح يجب أن تخضع للمعدلات المنطقية السائدة (10% أو 12% بحسب طبيعة كل مشروع وظروفه)، وليس بنسب خيالية تصل إلى 400% أو 500%".
وأكد أن "التوقيع على الورق شيء، والتنفيذ الفعلي على الأرض شيء آخر. نريد تدقيقًا يتأكد مما إذا كان ما اتفقنا عليه على الورق قد استلمناه فعليًا بنفس الجودة والسعر والجدول الزمني والمواصفات".
وبيّن: "فكل ما يُكتب على الورق يبدو جميلًا، ولو تحققت عقود الدولة كما هي مدونة لكانت بلادنا في أبهى صورة، لكن التخادم والفساد يحولان دون ذلك، ومن دون هذا التدقيق الصارم ستبقى العقود حبرًا على ورق، وسيستمر المال العام بالتبخر كما حدث في حالات كثيرة سابقًا".
وأضاف الزيدي: "عمليًا، لا نريد تعطيل العمل والإجراءات، بل نريد تشكيل فريق تدقيق سريع من ديوان الرقابة المالية، يلتزم بسقف زمني محدد بـ(10) أيام عمل للرد على التدقيق المسبق لأي عقد تحيله الوزارات قبل توقيعه، وفي حال انقضاء هذه المدة دون رد، يُعد الصمت بمثابة (لا ملاحظات)، وتنتقل المسؤولية كاملة من الوزارة أو المحافظة إلى ديوان الرقابة المالية إذا تبين وجود خلل لاحقًا".
وأوضح الزيدي أن "البعض قد يستغل هذه الإجراءات ليدعي تعطيل مؤسسات الدولة، لكننا نواجه منظومة فساد متجذرة، وحربنا ضدها ليست سهلة وتتطلب كلفًا عالية، إلا أن التراجع عنها عيب بحقنا. لا يمكننا أن نقبل، بألقابنا ومسؤولياتنا ومهنيتنا، أن نرى من يسرق مؤسسات الدولة ونكتفي بالمشاهدة".
وأضاف: "هذه قضية شرعية وأخلاقية وإنسانية أمام الضمير، فهذه الأموال هي أموال الشعب، وأموال من لا يملك بيتًا أو علاجًا، والشعب العراقي ليس شعبًا مرفهًا حتى نتهاون في مقدراته".
ودعا الزيدي إلى "تبني عقلية وقائية بقدر ما هي رقابية، بأن ننتقل من مرحلة (كشف المخالفة) إلى مرحلة (منع المخالفة) ووأدها قبل وقوعها"، مبينًا: "أود أن أؤكد لكم، إخواني في الديوان، أنكم لستم خصمًا لأحد، بل أنتم درع الدولة ودرع الشعب. واجبكم أمام الله والقانون هو حماية أموال الناس، وأي دينار يُسرق تقع مسؤوليته الأولى عليكم، وعليكم التصدي له بكل حزم؛ فكل موظف في الديوان هو حارس على مال العراق".
واختتم بالقول: "إننا لا نريد لديوان الرقابة المالية أن يخضع للمحاصصة السياسية، بل نريد مؤسسة مهنية خالصة، معيارها الكفاءة والعطاء والانتماء والولاء لهذا الوطن ومؤسساته".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام